الخطيب الشربيني
14
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
بن وائل والنضر بن الحرث ، وذلك أنهم رأوا أبا ذر وابن مسعود وعمارا وبلالا وصهيبا وعامر بن فهيرة ومن دونهم قد أسلموا قبلهم ، فقالوا : أنسلم ونكون مثل هؤلاء ؟ وقيل : جعلناك فتنة لهم ؛ لأنك لو كنت غنيا صاحب كنوز وجنات لكان ميلهم إليك وطاعتهم لك للدنيا ، فتكون ممزوجة بالدنيا ، وإنما بعثناك فقيرا لتكون طاعة من يطيعك خالصة لوجه الله من غير طمع دنيوي وقوله تعالى : أَ تَصْبِرُونَ أي : على ما تسمعون مما ابتليتم ، به استفهام بمعنى الأمر أي : اصبروا وَكانَ رَبُّكَ أي : المحسن إليك إحسانا لم يحسنه إلى أحد سواك لا سيما بجعلك نبيا عبدا بَصِيراً أي : بكل شيء فهو عالم بالإنسان قبل الامتحان لم يفده ذلك علما لم يكن عنده ، ولكن يعلم ذلك شهادة كما يعلم علم الغيب ، ولتقوم عليهم بذلك الحجة فلا يضيقن صدرك ولا تستخفنك أقاويلهم ، فإن صبرك عليها سعادتك وفوزك في الدارين . روي أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إذا نظر أحدكم من فضل عليه في المال والجسم فلينظر إلى من هو دونه في المال والجسم » « 1 » ، وروي : « انظروا إلى من هو أسفل منكم ، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم حذر أن تزدروا نعمة الله عليكم » « 2 » . الشبهة الرابعة : لمنكري نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا أي : لا يخافون البعث ، قال الفراء : الرجاء بمعنى الخوف لغة تهامة ، ومنه قوله تعالى : ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً [ نوح ، 13 ] أي : لا تخافون لله عظمة لَوْ لا أي : هلا ولم لا أُنْزِلَ أي : على أي وجه كان من أي منزل كان عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ كما نزلت عليه فيما يزعم وكانوا رسلا إلينا ، أو فتخبرنا بصدقه أَوْ نَرى رَبَّنا بما له علينا من الإحسان ، وبما لنا نحن من العظمة بالقوة بالأموال وغيرها ، فيأمرنا بما يريد من غير حاجة إلى واسطة ؛ قال الله ردّا عليهم : لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا أي : تعظموا فِي شأن أَنْفُسِهِمْ أي : أظهروا الاستكبار عن الحق ، وهو الكفر والعناد في قلوبهم واعتقدوه كما قال تعالى : إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ [ غافر ، 56 ] وَعَتَوْا أي : تجاوزوا الحد في الظلم عُتُوًّا كَبِيراً أي : بالغا أقصى مراتبه حيث عاينوا المعجزات الظاهرة ، فأعرضوا عنها واقترحوا لأنفسهم الخبيثة ما سدت دونه مطامح النفوس القدسية ، واللام جواب قسم محذوف ، وفي فحوى هذا الفعل دليل على التعجب من غير لفظ تعجب ، ألا ترى أن المعنى ما أشد استكبارهم وما أكبر عتوهم ؟ ثم بين تعالى لهم حالهم عند بعض ما طلبوا بقوله تعالى : يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ أي : يوم القيامة ، وقال ابن عباس : عند الموت لا بُشْرى أي : من البشر أصلا يَوْمَئِذٍ وقوله تعالى : لِلْمُجْرِمِينَ أي : الكافرين إما ظاهر في موضع ضمير ، وإما ؛ لأنه عام فقد تناولهم بعمومه بخلاف المؤمنين فلهم البشرى بالجنة . تنبيه : في نصب يوم أوجه : أحدها : أنه منصوب بإضمار فعل يدل عليه قوله تعالى : لا بُشْرى أي : يمنعون البشرى يوم يرون ، الثاني : باذكر فيكون مفعولا به . الثالث : بيعذبون مقدرا
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الزهد حديث 2963 ، وأحمد في المسند 2 / 314 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الزهد حديث 2963 ، والترمذي في القيامة حديث 2513 ، وابن ماجة في الزهد حديث 4142 .